الصالحي الشامي

229

سبل الهدى والرشاد

الذي وعدتني ؟ ما زلت منتظرة لك منذ اليوم - تسخر منه - فقال : دعي هذا عنك ، واغلقي على بابي ، ثم قال : إنك لو شهدت يوم الخندمة * إذ فر صفوان وفرر عكرمة وأبو يزيد كالعجوز المؤتمة * واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمه * ضربا فلا تسمع إلا الغمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه وأقبل الزبير - رضي الله عنه - بمن معه من المسلمين حتى انتهى إلى الحجون عند منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتل من المسلمين إلا رجلان من أصحاب الزبير ، أخطأ الطريق فسلكا غيره فقتلا ، وهما كرز بن جابر الفهري ( 1 ) وحبيش - بحاء مهملة مضمومة ، فموحدة مفتوحة ، فتحتية ساكنة فشين معجمة - بن خالد بن ربيعة بن الأشعر - بشين معجمة ، وعين مهلمة - الكعبي - رضي الله عنهما - ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة من أذاخر ، ( 2 ) فلما ظهر على أذاخر ، نظر إلى البارقة مع فضض المشركين ، فقال : " ما هذه البارقة ؟ ! ألم أنه عن القتال ؟ " قالوا : يا رسول الله ، خالد بن الوليد قوتل ولو لم يقاتل ما قاتل ، وما كان يا رسول الله ليعصيك ، ولا يخالف أمرك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قضاء الله خير " . وروى الطبراني عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب ، فقال : " إن الله حرم مكة " الحديث ( 3 ) ، فقيل : هذا خالد يقتل ، فقال : " قم يا فلان فقل له فليرفع يديه من القتل " فأتاه الرجل ، فقال له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ، أقتل من قدرت عليه ، فقتل سبعين ، فاتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك ، فأرسل إلى خالد " ألم أنهك عن القتل ؟ ! " فقال : جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه ، فأرسل إليه " ألم آمرك أن تنذر خالدا ؟ " قال : أردت أمرا فأراد الله أمرا ، فكان أمر الله فوق أمرك ، وما استطعت إلا الذي كان ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رد عليه . وروى الإمام أحمد ، ومسلم ، والبيهقي ، وغيرهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : لما كان يوم فتح مكة ، وبشت قريش أوباشا لها وأتباعا ، فقالوا : نقدم هؤلاء ، فإن كان لهم شئ

--> ( 1 ) كرز بن جابر حسل بن لأحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري . . كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم وأغار على سرح المدينة مرة فحرج النبي - صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ سفوان وفاته كرز وهذه هي غزوة بدر الأولى ثم أسلم ، الإصابة 5 / 297 . ( 2 ) أذاخر بالفتح ، والخاء المعجمة مكسورة : موضع بأعلى مكة ، منه دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وضربت هناك قبته . مراصد الاطلاع 1 / 46 . ( 3 ) أخرجه الطبراني في الكبير 11 / 48 وانظر المجمع 3 / 284 ، 7 / 34 والسيوطي في الدر المنثور 3 / 271 ، 272 .